register    |    forgot your password
 General
 Business
 Philosophy
 Technology & Computers
 Medicine
 Primary
 Military
 Arts
 Translation
 Entertainment
 Geography
 Law
 Arabic & Islamic Encyclopedias
 Education
change password
old password
new password
confirm password
Follow Us On Facebook
Follow Us On Twitter
TYPE OF DICTIONARY
0
To
General
Business
Philosophy
Technology & Computers
Medicine
Primary
Military
Arts
Translation
Entertainment
Geography
Law
Arabic & Islamic Encyclopedias
Education
الإخْراج
 
Stage directing
 
Mise en scène
 
مُصطلَح مَسرحيّ ظهر مع تَبلوُر العمليّة الإخراجيّة كوظيفة مُستقلّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ومُصطلَح الإخراج بالمعنى الواسع للكلمة يَدلّ على تَنظيم مُجمَل مُكوِّنات العَرْض من ديكور وموسيقى وإضاءة وأسلوب الأداء والحركة إلخ وصياغتها بشكل مَشهدِيّ. وهذه العمليّة يُمكِن أن تَصِل إلى حَدّ تَقديم رُؤية مُتكامِلة للمسرحيّة هي رؤية المُخرِج وتَحمِل تَوقيعه.
في البداية كان الإخراج عمَلِيّة ثانية لاحقة للنصّ المَسرحيّ تُعنى بتَحويله إلى عَرْض، لكنها ما لَبِثت أن أخذتْ أهميّة جَعلتها في بعض الأحيان تَكتسِب استقلاليّة كاملة عن النصّ.
في اللغة الفرنسيّة تَعني كلمة الميزانسين Mise en scène حرفيًّا «التَّوضيع على الخَشَبة»، وقد استُخدِم هذا المُصطلَح لأوّل مَرّة في عام 1820 حيث كان الإخراج وقتها يَعني تنظيم التشكيل الحَرَكيّ للمُمثِّلين، ثم صار مع تَطوُّر مَفهوم الإخراج يدُلّ على مُجمَل العمليّة الإخراجيّة. ومع ذلك، ظَلّت كلمة ميزانسين الفرنسيّة مُستخدمَة في بقيّة اللُّغات للدَّلالة على التشكيل الحرَكِيّ إلى جانب كلمات أُخرى تَدلّ على الإخراج بمعناه الأشمل.
هناك كلمة أخرى في اللُّغة الفرنسيّة كانت سائدة قبل أن يَشيع استخدام مُصطلَح الإخراج هي الإدارة الفنيّة Régie، وما زالت تُستعمَل حتّى اليوم لوَصْف العمليّة المُتعلِّقة بالجانب التِّقنيّ والإداريّ وانتِقاء المُمثِّلين، وفي اللغة الألمانيّة ما زال المُخرِج يُسمّى Regisseur.
يَشمُل الإخراج بمعناه المُعاصِر العمليّات التالية:
- إدارة المُمثِّل وتَحديد طابَع الأداء.
- تَقديم قراءة مُحدَّدة للنصّ والتعبير عن المَعاني الكامنة فيه من خلال أدوات يتبنّاها العَرْض، وتَحديد أسلوب العَرْض.
- تَوضيع الحَدَث الدرامي أو مُعطيات النصّ في فضاء ما، وتَرتيب عناصره والتَّنسيق بين مُختلِف مُكوِّنات العَرْض.
- التنسيق بين مُختلِف العاملين في مَجال بناء العَرْض المسرحِيّ من أجل تَشكيل الوَحدة العُضويّة للعَرْض المسرحِيّ.
على الرغم من أنّ المُخرِج كشخص مُستقِلّ له وَظيفته المُحدَّدة لم يُعرَف إلّا في أواخر القرن الماضي، إلّا أنّ الاهتمام بإخراج العَرْض المسرحيّ وكيفيّة تَقديمه على الخَشَبة كان مَوجودًا بشكل أو بآخر في المسرح على مدى تاريخه. يَدلّ على ذلك وجود الإرشادات الإخراجيّة ضِمن النُّصوص، ووجود أعراف مَسرحيّة تُحدِّد أسلوب العَرْض في كُلّ الحَضارات التي عَرَفتِ المَسرَح:
- في المَسرح الشرقيّ التقليديّ (مسرحيّات النو والكابوكي إلخ) حيث تُوجد أعراف صارمة وثابتة تُحدِّد شكل العَرْض، انتفتِ الحاجة لعمليّة الإخراج ولم تَظهر إلّا مع توسيع الربرتوار في العصر الحديث.
- في المسرح اليونانيّ القديم، كان تَنفيذ العَرْض يَقع على عاتق الكاتب. ولذلك كانت النُّصوص تُكتَب بِناء على شكل المكان والإمكانيّات التِّقنيّة المُتوفِّرة عندئذ، وقد تَحدّث أرسطو Aristote (384-322 ق.م) في كتابه «فنّ الشِّعر» عن «ترتيب المَناظر والحِيَل» كجُزء من العمليّة المسرحيّة.
- يُبيِّن تاريخ العَرْض المسرحيّ في القرون الوسطى في الغرب أنّ الاهتمام بتَنظيم مَسار العَرْض كان كبيرًا. وكان يَقع على عاتق شَخص يُكلَّف بذلك هو مُدير اللُّعبة Meneur de jeu، ثُمّ صار يَقوم بهذه المُهمَّة الكاتب نَفْسه أو المُمثِّل الأوَّل أو مُدير الفرقة المسرحيّة أو المِعماريّ والرَّسّام المَسؤول عن الديكور. في تَطوّر لاحق، صار شكل العَرْض يُثبَّت في نَصّ مَكتوب مِثْل السيناريو في الكوميديا ديللارته، أو نَشْرَة التّعليمات Cahier de régie التي تَحتوي على مَعلومات تِقْنيّة تَفصيليّة. وأوّل نَشرَة من هذا النَّوْع هي التي كَتبها المسرحيّ ألبرتان Albertin في القرن التاسع عشر لمسرحيّة ألكسندر دوماس A. Dumas (1802-1870) «هنري الثالث وبلاطه».
ظُهورُ الإخْراج وتَطَوُّره:
تَرافق ظُهور الإخراج في نِهاية القرن التاسع عشر مع تَطوُّر المَسرح وتِقْنيّاتِه واستِخدام الإضاءة الكهربائيّة في عام 1880، وأجهزة الصَّوْت المُتطوِّرة لإحداث المُؤثِّرات السمعيّة، ومع زيادة عدد الصّالات، والتغيّر الذي حصل في تَركيبة الجُمهور وتَنوُّعه وذَوقه من حيث الإقبال على العُروض الباهرة، ومع كُلّ التَّحوُّلات التي طَرأتْ على الأنواع المسرحيّة وفَرَضتْ اهتِمامًا أكبر بالعَرْض المسرحيّ كمُكَوِّن أساسيّ.
كما تَرافق ظُهور الإخراج مع انفِتاح البلدان الأوروبيّة على بعضها في مَجال المسرح والتّعرُّف على المَلامح الإقليميّة للمسرح في كُلّ بلد من البُلدان من خِلال جَولات الفِرَق وعلى الأخصّ فرقة الدوق مايننغن Meiningen التي تأسَّست في ألمانيا عام 1866 وجالت في أوروبا بين 1874 و1890 واعتُبرتْ مُجدِّدة في أسلوب العَرْض، وفي تَحقيق رؤية مُتكامِلة له.
من التأثيرات التي يَنبغي التّوقُّف عندها، والتي لعبت دَورها في تَطوُّر الإخراج قبل ظُهور المَفهوم بحد ذاته ما كَتبه وحقَّقه الموسيقيّ الألمانيّ ريتشارد ڨاغنر R. Wagner (1813-1883) حين أجرى تَعديلات هامّة على أسلوب العَرْض من خلال رَبْط الإضاءة بالشخصيّات والمَواقف الدراميّة (انظر المَسرَح الشّامِل).
كذلك كان لظُهور السينما دَوْره في بَلوَرة عمليّة الإخراج. إذ إنّ السينما مُنذُ وِلادتها كانت فنّ المُخرِج. وقد شَكَّلت الحافز للمسرح لكي يُحدِّد خُصوصيَّته ويُنوِّع أساليبه.
يُعتبَر المسرحيّ الفرنسيّ أندريه أنطوان A. Antoine (1858-1943) الذي أسَّس المسرح الحُرّ في باريس عام 1887 أوّل مُخرِج في أوروبا. كما أنّ كتاباتِه المَنشورة في «أحاديث حول الإخراج» (1903) تُعْتبَر وثيقة هامّة حول بِداية التفكير بالإخراج كوظيفة مُستقلِّة. ارتبَطتْ أفكار أنطوان بالواقعيّة والطبيعيّة التي تَجلَّت في أعماله من خِلال الالتِزام بالدِّقَّة التاريخيّة في العَرْض ورَفْض اللَّوْحة الخلفيّة المَرسومة بطريقة خِداع البَصَر Trompe l’œil، واستِخدام أغراض حقيقيّة مأخوذة من الواقع اليوميّ على الخَشَبة لتحقيق أكبر قَدْر من الإيهام. كما أنّ أنطوان لم يَعتبِر المُمثِّل مُجرَّد أداة لإلقاء النصّ فقد اهتَمّ بحَرَكة جَسَده وبحُضوره على الخَشَبة.
انتَشرت أفكار أنطوان بشكل سَريع في كُلّ أوروبا. وكان لها تأثيرها المَلموس وعلى الأخصّ في السَّنوات الثلاثين الأخيرة من القرن التاسع عشر. ففي ألمانيا ظهر تأثيره في أعمال الناقد المَسرحيّ أوتو براهم Otto Brahm (1856-1912) الذي أدار فرقة «المسرح الحُرّ» الألمانيّة Freie Bühne. كما أنّ المسرحيّين الروسيّين كونستانتين ستانسلاڨسكي C. Stanislavski (1863-1938) ونيميروڨيتش دانتشنكو N. Dantchenko (1858-1943) اللّذين أسّسا في موسكو عام 1898 «مسرح الفنّ»، عَملا بنَفْس تَوجُّه أنطوان، لكنّهما أضافا إلى وظيفة المُخرِج كمُنظِّم للعَرْض مُهمَّة إدارة المُمثِّل. في إنجلترا تَبِع المسرحيّ الإنجليزيّ غرانڨيل باركر G. Barker (1877-1946) خُطى أنطوان في إدارة مسرح البَلاط المَلَكيّ في لندن، في حين لم تتأثّر إيطاليا بسرعة بهذا التوجُّه ممّا يُبرِّر تأخُّر ظُهور الإخراج فيها. وعلى الرغم من تَفاوت تاريخ ظهور الإخراج بين بلد وآخر إلّا أنّه كعمليّة إبداعيّة ثَبّت مَوقِعه في العمليّة المسرحيّة ولَعِب دَوْرًا في تَطوير المسرح وتوسيع الربرتوار.
ارتَبط فنّ الإخراج مُنذُ وِلادته بالحَداثة وبالبَحث عن صِيَغ جَديدة وجماليّات مُتنوِّعة وبالتَّجريب. ورغم أنّ الفكرة السائدة هي أنّ الإخراج في بداياته ارتبط بالواقعيّة والطبيعيّة، إلّا أنّ ذلك كان مرحلة آنيّة. فمع بداية هذا القرن، ظهر تَوجُّه مسرحيّ آخَر مُوازٍ تَمامًا ومُناقِض للواقعيّة يَقوم على إعلان الأدوات المسرحيّة بَدَلًا من إخفائها كما دَرَجت العادة في المسرح الواقعيّ. تَطوَّر هذا التوجُّه في روسيا على الأخصّ، وفي ألمانيا وفرنسا. ويُعتبَر عَرْض المُخرِج الفرنسيّ أورليان لونييه پو A. Lugné-Poe (1869-1940) لمسرحِيّة ألفريد جاري A. Jarry (1873-1907) «أوبو ملكا» أوّل عَرْض مَسرحيّ يُعلِن المَسرحَة، وهو المَفهوم الذي أطْلَقه في روسيا بشكل نَظريّ المُخرِج نيقولاي أڨرينوڨ N. Evreinov (1879-1953).
في ألمانيا تَبلْوَر هذا التوجُّه ضِمن تيّار الرمزيّة وتَطوَّر مع التعبيريّة التي تَجلَّت معالمها في تأثيرات الفُنون التشكيليّة على العَرْض المسرحيّ، وفي التخفيف من أهمية النص وطَرَح تَساؤلات جديدة حول الفضاء المسرحيّ والديكور. تَدخل ضِمن هذا الإطار أعمال المُخرِج السويسريّ أدولف آبيا A. Appia (1862-1928) والإنجليزيّ غوردون كريغ G. Craig (1872-1966)، والنمساويّ ماكس راينهاردت M. Reinhardt (1873-1943) وغيرهم مِمّن دَعَوا إلى التخلّي عن مبدأ التصوير الإيقونيّ للواقع كهدف رَئيسيّ للمسرح، وإلى طَرْح المسرح كفنّ له مَرجعيّته الخاصّة.
يُعتبَر المُخرِج الروسيّ ڨسيڨولود مييرخولد V. Meyerhold (1874-1940) وبعده ألكسندر تايروڨ A. Tairov (1885-1950) مُجدِّدَيْن على صَعيد الإخراج. فقد أكّد هذان المُخرِجان على الأسلوب والأسْلبة، وأبرزا الأعراف التي تُعلِن المسْرحة كرَدّة فِعْل على الواقعيّة التي يُمثِّلها ستانسلاڨسكي. كما أنَّهما اعتبرا أنّ العَرْض ليس مُجرَّد تَرجمة للنصّ على الخَشَبة، وإنّما عمليّة مُستقِلَّة تُعطي لكُلّ عمَلَ أسلوبه الخاصّ وروامزه الخاصّة، وأنّ المُخرِج هو الذي يُحدِّد مَعنى العَرْض وأدواته وأسلوب العمل.
ضِمن هذه التعدُّدية في التّوجُّهات الإخراجيّة، كان هناك خَطّ مُحدَّد يُمثِّله المُخرِج الفرنسيّ جاك كوبو J. Copeau (1879-1949) ومَنْ تَبِعه من المُخرِجين أمثال لوي جوڨيه L. Jouvet (1887-1951) وجان ڨيلار J. Vilar (1912-1971). فقد اعتَبر هؤلاء أنّ الإخراج عمليّة تَهدِف إلى إبراز جماليّة النصّ المسرحيّ بشكلها الصافي ووسيلة لتَبيان جَوهره، وفي هذا تحديد لدَوْر المُخرج مُقابِل مُؤلِّف النصّ في العمليّة المسرحيّة. ما زال هذا الخطّ مَوجودًا في المَسرح المُعاصِر. وقد طَبَع أعمال الكثير من المُخرجين البارزين أمثال الإيطاليّ جورجيو شتريلر G. Strehler (1921-) والفرنسيّ أنطوان ڨيتيز A. Vitez (1930-1992).
في الاتّجاه المُعاكِس، يُعتَبر الفرنسيّ أنطونان آرتو A. Artaud (1896-1948) أوّل من قام بِنَسْف النصّ نِهائيًّا، وبإعطاء الأهميّة للمُمثِّل في تَحقيق العَرْض المسرحيّ. كان لآرتو تَأثيرُه على حركات مسرحيّة لاحقة سارت في نَفْس المَنحى منها أعمال فِرْقة الليڨنغ Living Theater الأمريكيّة وكُلّ الفِرَق التي أكّدت على غياب دَوْر المُخرِج وغياب النصّ.
اعتِبارًا من النّصف الثاني من القرنِ العشرين صار الإخراج حَقيقة واقِعة، وتنوَّعت أبعاده بتَنوّع التّجارِب التي شَكَّلت مدارس إخراجيّة. كما صار المُخرِج سَيِّد المِنصَّة والمَسؤول عن المَعنى الذي يَحمِله العَرْض. من نتائج ذلك أنّ اسْم المُخرِج صار يَطغى أحيانًا على اسم المُؤلِّف، وأنّ عمل المُخرِج اعتُبر نَوعًا من الكتابة الجديدة للعمل أو القراءة الخاصّة لمعناه، ناهيك عن قيام بعض المُخرِجين بكتابة المَسرحيّات التي يُقدِّمونها على الخَشَبة.
كان لظُهور تَجارِب الإبداع الجماعيّ في الستِّينات من هذا القرن دَوْر هامّ في تَوزيع مسؤوليّة الإخراج على كافّة أعضاء الفرقة. لكنّ ذلك لم يُؤدِّ فِعليًّا إلى الحَدِّ من سيطرة المُخرج الذي ظَلّ يَحمِل مسؤوليّة تَنظيم العمل.
الإخْراج وإعْداد المُمَثِّل:
مع تَطوُّر الإخراج ظَهر مَنظور جديد إلى المُمثِّل وأدائه، ويُعتبَر ستانسلاڨسكي أوّل مُخرِج اهتَمّ بإعداد المُمثِّل واعتبرَه عمليّة بَحْث مُتكامِلة حول الدَّوْر، وليس مُجرَّد تَدريب على الإلقاء، وهذا ما يَبدو واضحًا في كتاباته النظريّة.
بعد ستانسلاڨسكي، ظهرت تَجارِب في نَفْس هذا المنحى، وتَنوَّع شكل الاهتِمام بإعداد المُمثِّل. ونذكر في هذا السِّياق المُختبَر الذي أنشأه البولونيّ جيرزي غروتوڨسكي J. Grotowski (1933-)، وجَعل فيه من إعداد المُمثِّل تَجرِبة حياتيّة مُتكامِلة، وأسلوب الألمانيّ برتولت بريشت B. Brecht (1898-1956) في إشراك المُمثِّل في القِراءة الدراماتورجيّة للنصّ المسرحيّ، وغيرها من التّجارِب.
الإخْراج والمَكان المَسْرَحِيّ:
كان للإخراج دَوْره الهامّ في تَغيير النظرة إلى المكان المسرحيّ. فقد أعاد المُخرِجون الأوائل النظر في العُلبَة الإيطالية كصيغة مَكانيّة وحيدة، وحاولوا تَنضير الأعمال المسرحيّة من خِلال تَقديمها في أمكنة ليست مُعدَّة أصلًا للعُروض المسرحيّة مِثْل المَلاعب وحَلَبات السيرك. من جهة أُخرى، خَضَع الفضاء المسرحيّ نَفْسه لتعديلات جَذريّة: فقد اعتُمِد مَبْدأ أنّ كُلّ عَرْض يَستدعي إطاره الخاصّ وأدواته الخاصّة مِمّا أدّى إلى تَعامُل جديد مع عناصر الديكور والأكسسوار والغَرَض المسرحيّ.
الإخْراج والكِتابَة:
كان لتَطوُّر الإخراج دَوْره في تَغيُّر النظرة إلى النصّ المسرحيّ وكيفيّة تَقديمه بمَعْزل عن الأعراف السائدة والمُرتبِطة بالأنواع المسرحيّة. وقد ساهم ذلك في تَوسيع الربرتوار المسرحيّ من خلال إعادة تَقديم الكلاسيكيّات بمَنظور جديد، أو من خلال إعداد النُّصوص غير المسرحيّة لتُقدَّم على الخَشَبة.
بالمُقابِل بدأت الكتابة المسرحيّة تأخذ بعين الاعتِبار العمليّة الإخراجيّة، وهذا ما يَتبدّى من الحَيِّز الذي صارت تَأخذه الإرشادات الإخراجيّة التي يَكتبها المُؤلِّف وكأنّها نصّ يُعادِل بأهميّته النصّ الحِواريّ، كما هو الحال في مَسرحيّات الإيرلنديّ صموئيل بيكيت S. Beckett (1906-1989) والفرنسيّ جان جينيه J. Genet (1910-1986).
الإخْراج والدّراماتورْجِيّة:
من ناحية أُخرى لا بُدّ من الإشارة إلى التّداخُل الذي تَحقَّق بين القراءة الدراماتورجيّة والإخراج، بل وبين وَظيفَتيِ الدراماتورج والمُخرِج، وعلى الأخصّ في ألمانيا حيث عُرِف الدراماتورج قبل أن يُعرَف المُخرِج. وفي هذا المجال يُمكِن أن نَعتبرِ القراءة الدراماتورجيَّة التي كان يُجريها بريشت على النصّ المسرحيّ ويُثبِتها فيما أُطلِق عليه اسم نَموذج العَرْض مِثالًا على هذا التّداخُل. والواقع أن بريشت لم يُعطِ للمُخرِج دَوْرًا مَركزيًّا في العمليّة المسرحيّة لأنّ نِظامه المسرحيّ يَقوم على دَعامتين رئيسيّتين: بِناء الحكاية، وهو عَمَل الدراماتورج، وبناء الشخصيّة، وهو عمل المُمثِّل. وفي هذه الحالة تَطغى الدراماتورجيّة على الكتابة والإخراج، ويَقتصِر دور المُخرِج على إعادة كتابة الحكاية في العَرْض المسرحيّ، لذلك نَجِد أن حِواريّته «شرائيّة النُّحاس» قد حَدّت من دَوْر المُخرِج.
الإخْراج في المَسْرَح العَرَبِيّ:
كلمة الإخراج بالعربيّة مُشتقّة من الفعل خَرّج الذي يَحتوي على معنى الاستِنباط من الداخل بالإضافة إلى مَعنى التدريب، إذ يُقال خرّج في الأدب، أي دَرّب وعلّم. كما يَحتوي على معنى إعطاء سِمة ما، إذ يُقال خرّج العمل، أي جعله ضُروبًا وألوانًا يُخالف بعضها بعضًا.
في بدايات المَسرح العربيّ كما في الغرب، لم تُعرَف وظيفة المُخرِج لكنّ عمليّة الإخراج كانت موجودة. وكانت تَتِمّ بكافة تفاصيلها دون أن تُسمّى إخراجًا بشكل صريح. ذلك أنّ عَمَل رجال المسرح من الروّاد لم يكن يَقتصر على كتابة النصّ، وإنّما إعداده بحيث يَتلاءم مع طبيعة الجُمهور، مع الاهتِمام بكافة تَفاصيل العَرْض. وواقع الأمر أنّه لم تكن هناك حاجة فعليّة للإخراج بشكله الحديث في بِدايات المسرح العربِيّ لأنّ الإلقاء كان العُنْصر الأساسيّ في التمثيل على الخَشَبة.
ظَهرت كلمة إخراج بمعناها المسرحيّ لأوّل مَرّة في نصّ لمُحمّد تيمور في صَحيفة المِنْبَر بمصر عام 1918 إذ قال: «لم يُقصِّر الشيخ /سلامة الحجازي/ في إخراج هذه الرِّوايات على الشكل الذي يَتطلّبه الفنّ/.../ ولم يَمنعه ذلك من أن يُخرِج للناس رواية خالية من الألحان». دَرَج استعمال هذه الكلمة مع الجيل الثاني من المَسرحيّين الذين دَرسوا التمثيل في أوروبا أمثال يوسف وهبي (1896-1980) ونجيب الريحاني (1891-1949) وجورج أبيض (1880-1959) الذي استَعمل أيضًا كلمة ميزانسين بلفظها الفرنسيّ. لكنّ الإخراج كان يَعني بالنسبة لهم على الغالب تَرتيب دُخول وخُروج الشخصيّات، وهو أمر من اختِصاص صاحب الفرقة والمُمثِّل الرئيسيّ فيها. كذلك يُقال إنّ المُمثِّل رحمين بيبس كان يُشرِف على تدريب المُمثِّلين في فرقة إسكندر فرح، وفي هذا صورة عن الاهتمام المُبكِر بأحد اختصاصات المُخرِج.
ويُقال أيضًا إنّ المصريّ عزيز عيد (1883-1942) كان أوّل من استَعمل نشرة التعليمات Cahier de régie في تَحضير العُروض، ولذلك يَعتبره اللبنانيّ عصام محفوظ (1939-) رائد الإخراج في المَسرح العربيّ. لكنّ عمل عزيز عيد كان أقرب إلى عمل المُدير الفنيّ Régisseur ومُنظِّم العَمَل على الخَشَبة، وفي هذا تَطوُّر هام في إفراد وَظيفة مُستقلَّة لشَخْص مُحدَّد يعمل إلى جانب الكاتب والمُمثِّلين. ولا بُدّ في هذا المجال من ذكر تأثير تَقاليد عُروض الأوبريت والمسرح الاستعراضيّ التي كانت تَجذِب المُتفرّجين في مصر، لأنّ إعداد هذه العُروض استدعى إنشاء وَرشات لصُنع الديكور والملابس واهتمامًا كبيرًا بتفاصيل تَحضير العَرْض.
أخذ الإخراج في المسرح العربيّ معناه الحديث كعمليّة إبداعيّة بتأثير من العوامل التالية:
- بداية اهتمام المؤسَّسة الرسميّة بتَطوير المسرح وإعداد كوادر مُلائمة للعمل فيه (إنشاء الفرقة الرسميّة الحكوميّة في مصر، إنشاء أوّل مَعهد للمسرح في مصر عام 1931 بمُبادرة من زكي طليمات، ثُمّ تأسيس المسارح القوميّة في كثير من البلدان العربيّة).
- تَوجُّه المسرح العربيّ نحو الواقعيّة في اختيار المواضيع وفي أسلوب الأداء المسرحيّ، وتراجُع أهميّة الإلقاء لصالح العناصر المَشهديّة.
- عَوْدة جيل المُخرِجين بعد الخمسينات من أوروبا وأمريكا وروسيا حيث تأثّروا بالتيّارات السائدة فيها وبتيّار الحَداثة، وعلى الأخصّ ستانسلاڨسكي وآرتو وكريغ وبريشت وغيرهم. من هذا الجيل من المُخرِجين نذكر في مصر جلال الشرقاوي (1934-) وسعد أردش (1924-) وسمير العصفوري (1937-) وكرم مطاوع (1934-)، وفي سورية شريف خزندار (1940-) ورفيق الصبان (1933-) وعلي عقلة عرسان (1941-) وأسعد فضة وغيرهم. وفي تونس علي بن عياد وحسن الزمرلي ومحمد لحبيب ومحمد أغربي ومنصف السويسي (1944-)، وفي الجزائر مصطفى كاتب، وفي العراق حاكي شبلي ويوسف العاني (1927-) وحميد محمد الجواد وسامي عبد الحميد (1928-) وقاسم محمد (1935-) وغيرهم. وفي لبنان أنطوان مُلتقى ومنير أبو دبس، وفي المغرب الطيب الصديقي (1937-) وأحمد الطيب العلج وغيرهم.
على الرّغم من أهميّة هؤلاء المُخرِجين، ظلّ المسرح العربيّ لفترة طويلة حَبيس النصّ، ولم يَتجاوز الإخراج في صورته العامّة دَوْر تَجسيد النصّ على الخَشَبة.
مع تَفاقُم أزمة النصّ المَسرحيّ وتَراجُع الكتابة المسرحيّة، ومع الرّغبة في إيجاد هُوِّيّة خاصّة بالمسرح العربيّ وحلّ مشاكله، ظهرَت مُحاولات قام بها مُخرِجون أرادوا تَجديد المَسرح من خِلال العودة إلى التُّراث الشعبيّ ليَستلهِموا منه موضوع المسرحيّة أو إطارها الإخراجيّ، وهذا ما نَجِده في تَجرِبة المغربيّ الطيب الصديقي في إعداد عَرْض عن مَقامات بديع الزمان الهمذاني. كذلك ظهرت مُحاولات قام بها مُخرِجون لتأسيس مُحتَرفات يُقدَّم فيها مَسرحًا له صَبغة فنِّيَّة نَذكر منها في لبنان مُحتَرف منبر أبو دبس، ومُحتَرف بيروت للمسرح الذي ضم نُخبة من المسرحيّين. كما ظهرت مُحاولات لتخطّي العمليّة الإخراجيّة بمعناها التقليديّ من خلال تَشكيل فِرَق مَسرحيّة ذات طابَع تَجريبيّ تتبنّى مبدأ الإبداع الجَماعيّ منها فرقة الحَكواتي اللبنانية بإدارة روجيه عساف (1941-)، وفرقة الحَكواتي الفلسطينية بإدارة فرنسوا أبو سالم في القُدْس، وفرقة المَسرح الجديد بإدارة محمد إدريس (1944-) في تونس، وفرقة مسرح البحر في الجزائر.
في يومنا هذا ظهرت تَجارِب لمُخرِجين قاموا بِصياغة نُصوصهم الخاصّة، أو بإعداد دراماتورجي لنُصوص معروفة فأخذوا الدَّوْر الأوّل في العمليّة المَسرحيّة ككُتّاب ومُخرِجين في نَفْس الوَقْت. من هذه التّجارِب نذكُر عَمَل التّونسي محمد إدريس الذي أعد مَسرحيّة «يعيشو شكسبير» عن روميو وجولييت، والتونسي فاضِل الجعايبي (1945-) الذي كتب وأخرج مَسرحيّات «كوميديا» و«فاميليا» و«عُشاق المَقهى المهجور»، والعِراقيّ جواد الأسدي (1949-) الذي كَتَب وأخرج «خُيوط من فِضّة» و«رَقْصة العَلَم»، واللبنانيّ زياد الرّحباني (1956-) الذي كتب وأخرج «نَزْل السُّرور» و«فيلم أمريكي طويل» «ولولا فُسحة الأمل»، وغيرها.